رواية “كتاب الأوهام” للأمريكي بول أوستر .. لعبة الحيوات المتجددة

يعتبر الروائي والمخرج بول بنجامين أوستر (نيو جيرسي/ 1947) منجما من تحف روائية تغوص في الكائن البشري. تمت ترجمة أعماله الإبداعية إلى أكثر من 40 لغة، وحقق نجاحا كبيرًا إلى درجة أنه حصل على وسام الفنون والآداب في فرنسا عام 1992، بالإضافة إلى حصوله على جائزة أمير أستورياس للآداب عام 2006. يواصل الكاتب بشغف تقديم المستجدات لقرائه: نشر رواية “4321” ورواية “الفتى المحترق” (2021)، وهي سيرة ذاتية للكاتب ستيفن غرين.

لا تنتهي روايات بول أوستر المتعددة: “لافياتون” و”قصر القمر” و”ثلاثية نيويورك”، و”حماقات بروكلين” و”معجزة منتصف الليل” و”حكاية الشتاء” و”رجل في الظلام”… تشكل كل رواية للكاتب عوالم مسافرة ومخلتفة لا تتكرر؛ زاخرة بجمل طويلة ومعقدة وألعاب بهلوانية لغوية وبأسلوب يسرح بالقارئ إلى حيوات متجددة، فما الذي تحمله رواية “كتاب الأوهام”؟.

لعبة المزج بين السينما والقصة

يضع بول أوستر في رواية “كتاب الأوهام ” القارئ في أواخر الثمانينيات من القرن 20، بطل الرواية هو ديفيد زيمر، الأستاذ الجامعي الذي فقد زوجته وأطفاله في حادث تحطم طائرة، وعمد إلى تأليف كتاب عن الممثل السينمائي الصامت هيكتور مان. بمجرد نشره للكتاب، يتلقى ديفيد زيمر رسالة غير متوقعة ستغير مجرى حياته. هذه الرواية هي تكريم كبير لعالم السينما ولروادها المنسيين.

هناك قصص لا تقتصر على غمرك بكل شيء سحري، مثل الأدب، لكنها تجعلك تتلمس مجالات أخرى من خلال خيالك. تمزج رواية “كتاب الأوهام” لبول أوستر بين فنين في قالب واحد، وبحبكة تتمدد بشكل غامض وتلتقي في نقطة واحدة: الكلمة المكتوبة والفيلم الصامت، حيث يغيب فيهما الصوت المشترك لولا حقيقة أن الكلمات التي يكشف عنها بطل الرواية تكون حسية وجسدية ومسموعة؛ وهو نوع من الحضور الذي يصعب التعود عليه مرة واحدة. أوستر له قدرة عجيبة على تركيب الأحداث بحكم مهاراته الكبيرة على كتابة السيناريو فيعمد إلى خلق الحدث في الصفحات الأولى ويعمل على تطوير الأحداث بطريقة مختلفة يمزج فيها بين سحر السينما وخيال القصة ولعبة الجمل الملتهبة ذات النفس الطويل.

قصة داخل القصة

فقد بطل الرواية (ديفيد زيمر) عائلته في حادث مأساوي. ويتم وصف رعب هذا الغياب بطريقة صارمة، ولكن بحساسية (وليس بشكل عاطفي)، ما يجعل القارئ مشاركًا في المشاعر التي يكتنفها مثل هذا الحدث الفظيع، لكن دون جعل الكتابة مؤلمة. في أحد الأيام، وبعد شهور وشهور من التخلي الواعي عن الواقع، انفجر ديفيد ضاحكًا أثناء مشاهدة مشهد من فيلم قديم صامت، في وقت اعتقد أن روح الدعابة كانت قد ماتت ودفنت مثل عائلته؛ هذه الحقيقة الصغيرة تحييه من الداخل: يقرر اكتشاف الأفلام الأخرى التي قام ببطولتها ممثل الفيلم، هيكتور مان، وكل شيء عن مساره الفني.

تُروى الرواية كلها كقصة داخل قصة. نعلم كيف تحدث الأحداث وتنمو في حياة ديفيد وهكتور بطريقة متشابكة ومعقدة على الرغم من الاحتفاظ بالمنطق الخطي للأحداث؛ إلا أن البطل نفسه قد قدمها بلا خجل في كثير من الأحيان بنوع من البراغماتية، في مواجهة ما حدث بالفعل، بالنسبة له، لا يمكن توقع التحذير من المفسد، لأن الحياة هي ما هي عليه والماضي لا يمكن تغييره (على الرغم من أن الذاكرة يمكن التلاعب بها بقليل من الحيل).

رحلة الإيحاءات

ينجرف القارئ في رواية “كتاب الأوهام” بشكل كبير مع وتيرة الأحداث المتصاعدة والمتشابكة. حياة هيكتور مان مثيرة على الرغم من أنها في بعض الأحيان تحبط الشعور بالبقاء عند أبواب عقله. ومع ذلك فإن الإعداد مثالي: نعرف ديفيد أفضل بكثير، لكن بالنسبة لهيكتور يتركنا مع هذا الشك الأبدي، مثل بطل الرواية، لمعرفة المزيد عنه. الأمر مثير للفضول لأن الرواية، على الرغم من كونها حزينة، لا تترك أثرًا سلبيًا كما يحدث مع الروايات الأخرى، بل هي أشبه بمشاهدة وهم كامل أعاد خلقه العقل، حيث الماضي هو فيلم آخر نتذكر منه بعض المشاهد.

لم يعد ديفيد زيمر، الكاتب وأستاذ الأدب من ولاية فيرمونت، حتى ظلًا لما كان عليه في السابق؛ يقضي أيامه في الشرب ويفكر في اللحظة الأخيرة التي كان من الممكن أن تتغير فيها حياته، وهي اللحظة التي تستقل فيها زوجته وأطفاله الطائرة التي انفجرت.. يعمد في إحدى الليالي إلى مشاهدة التلفاز، ولأول مرة بعد ستة أشهر من التجول في الفراغ شيء يجعله يضحك. سبب المعجزة الصغيرة هو هيكتور مان، أحد آخر الممثلين الكوميديين في السينما الصامتة.

يكتشف ديفيد زيمر أنه لم يصل إلى الحضيض بعد وأنه مازال يريد أن يحيا. يبدأ بعد ذلك بحثه بكتابة كتاب عن هيكتورمان، الممثل الكوميدي الشاب واللامع والمتسم بالغموض… الذي ولد في الأرجنتين، يحكي أحد أفلامه الأخيرة، “السيد لا أحد”، قصة رجل أقنعه صديق غادر بشرب جرعة تؤدي إلى نهايته المحتومة. يمتزج الحكي بين قصص السينما والواقع في عمليات تشابك مثيرة في أكثر من منحى.

يختفي الممثل قبل ستين عامًا دون أن يسمع عنه أحد أي شيء، مع الكثير من الأسئلة المعلقة، ولم تظهر جثته. تمكن زيمر من إنهاء كتابه ونشره. وبعد ثلاثة أشهر يتلقى رسالة من امرأة تدعي أنها زوجة هيكتور مان، تدعوه للحضور لرؤيتها هي وزوجها في دريم لاند، نيو مكسيكو. يسأل زيمر عن الدليل، فهو يعتقد أنها قد تكون محتالة أو مخادعة.. تطرق شابة غريبة ذات ليلة بابه وتهدده بمسدس وتجبره على مرافقتها … يربط الكاتب بين الماضي والحاضر بلعبة ممتعة وتشويق مسار الحكاية في أبعاد جديدة…

الابتعاد عن الزخرفة والبساطة

تجذب الرواية القارئ بأشكال غير متوقعة..فاتنة ومدهشة ولا تسمح لك بالخروج منها. مع بول أوستر يحدث الأمر إلى حد ما مثل الياباني موراكامي: أسلوب كليهما ليس مزخرفًا ولا شديد التعقيد والتفصيل، لكن يكتبان بطريقة بسيطة؛ وهذا يكفي بالالتصاق بما يكتبان حتى النفس.

رواية “كتاب الأوهام” مثل دمية روسية، عبارة عن قصة داخل قصة، تهيمن عليها الصدف بأكملها. نكتشف ضمن قصة زيمر، قصة هيكتور، وفي قصة هذا الأخير سيكون لدينا سرد لأفلامه. بالنسبة لي، هذا الجزء الرائع من الرواية، حيث يوصف الماضي السري للممثل الصامت بطريقة رائعة، أمر سريالي بعض الشيء، وفي بعض الأحيان يترك الرواية تنمو بطريقة غير اعتيادية إلى مهاوي الجمال…

تحمل حياة زيمر وهكتور العديد من الصدف؛ كلاهما بطلان معقدان ووحيدان ولديهما ماضٍ مؤلم لا يمكن نسيانه، لكنهما ينجحان في إثارة تعاطف كبير؛ إلى جانبه، ستكون هناك نسوة لسن أقل تعقيدًا، مثل ألما أو فريدا، تساهمان في حل اللغز بطريقة مبتكرة وتدريجية…

باختصار شديد، اقرأ أوستر! واقرأ “كتاب الأوهام”، فهي رواية جيدة للبداية بها، على الرغم من أنني أوصي دائمًا برواية “حماقات بروكلين”. إذا كنت تعرف المؤلف بالفعل أنا أعتقد أن “كتاب الأوهام” لن يخيب ظنك أبدا، لأنه يحتوي على جميع الموضوعات التي يجيدها الروائي بول أوستر، وألاعيبه التي لا تنتهي في روعة السرد والكتابة؛ وهذه هي العلامة التجارية لكتبه، وهذا يصبح رهانًا آمنًا للقراءة الممتعة والمسافرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى