ممكنات “مستقبل متوسطي” تجمع رؤى من الضفتين بأكاديمية المملكة

تستمر مساءلة المتوسط ومستقبل فكرته داخل أكاديمية المملكة المغربية، إعدادا لدورتها 47، بمحاضرتين استقبلهما مقرها بالرباط.

الدبلوماسي الفرنسي أوليفيي بوافر دارفور، المبعوث الخاص لرئيس الجمهورية إلى “قمة المحيط الواحد”، تحدث، في تصريح لLE7.ma، عن المتوسط بوصفه “جوابا” إذا “ما وصلنا مجتمعين، نحن شعوب المتوسط، إلى بناء هذا المجموع؛ مجموع السلام، والأمن، وذكاء الشعوب. سيكون تركيبا نموذجيا، آمل أن يكون من الممكن أن يطبق في مناطق أخرى من العالم”.

وفي كلمته بأكاديمية المملكة، مساء الجمعة، نفى بوافر دارفور عن البحر الأبيض المتوسط صفة الانغلاق الجغرافي، مع حديثه عن كونه مجالا غير كبير، مقارنة ببحار العالم ومحيطاته، ومجالا لا وجود قانونيا ولا إيديولوجيا له، ولا يجمعه نشيد أو علم أو عملة، بل يضم “شعوبا ومواطنين من ثلاث قارات، يلتقون ولهم علاقات لم تكن بسيطة دائما”.

ورغم الصغر النسبي للمتوسط، فإنه، وفق الكلمة ذاتها، “تكثيف للعبقرية” بما يختزنه من تاريخ وتعدد لغوي وثقافي وديني، وما يختزنه من تعدد في كيفيات رؤية العالم.

هذا القدر سمح للمتوسط بأن يشهد ازدهارا في تجارة البضائع، ولكن سمح، أيضا، بازدهار “تجارة” الأفكار بين مناطقه، وضفتيه، الجنوبية والشمالية، حسب الكاتب والدبلوماسي الفرنسي.

ورغم جوانب الذكاء والجمال والصغر الجغرافي، لم يكن تاريخ المتوسط بسيطا، حسب المتدخل، ولا حاضره كذلك، حيث تحدث عن التوجّهات التوسعية، والمشاكل التي تشهدها الضفة الجنوبية، خاصة في “سوريا، ولبنان، وإسرائيل والأراضي الفلسطينية، وليبيا…”، و”التوترات التركية اليونانية”، وغيرها من تحديات المتوسط، مثل الهجرة غير النظامية التي تجعل مياهه “مياها بئيسة”.

مقابل هذه المشاكل تحدث بوافر دارفور عن المغرب “هذا الجزء من العالم، الأكثرِ استقرارا (مقارنة بالضفة الجنوبية) كما نراه نحن الدبلوماسيون”، الذي له “نقاشات دينامية مع جيرانه، ويُطل على المتوسط والأطلسي”.

وفي النقاشات بين الضفتين، يرى المتدخل ضرورة أخذ موضوع البحر الأبيض المتوسط بجدية، واستحضار “الرهانات المناخية”، خاصة و”هي تهدد بتفجير حروب قاتلة، لأن تهديدات تغير المناخ تهدد 3 مليارات من الناس”.

هذا المتوسط الذي “من القريب سيصير حجم البلاستيك فيه يفوق حجم السمك”، يؤكد الدبلوماسي “مسؤوليتنا، شعوب المتوسط، وحكوماته، تجاهه”، من أجل الاستدامة، والسلام، وتقديم نموذج للاقتداء.

كلمة ريم بنزينة، رئيسة جمعية “الموسم البحري الأزرق” التونسية، نبهت إلى الكارثة البيئية والمناخية التي يواجهها المتوسط، مع واقع يعد فيه من أكثر البحار تلوثا، مما يستدعي العمل المشترك من أجل صيانة البحار والسواحل.

واستحضرت بنزينة نموذجا تونسيا يعمل من أجل “تغيير الذهنيات” وحث المواطنين والحكومات على “الاستماع للعلماء”، حتى “تلي الأقوالَ نتائجُ وأفعال”.

وعدّدت بنزينة أنشطة تحتفي بالموروث البحري المتوسطي، وتوعي بهشاشته، وتحدثت عن تأسيس مركز يختص بالتفكير في قضايا البحار، التي يرتبط معيش الكثيرين بها، وبقاؤهم أيضا، فضلا عن المنتدى العالمي، الذي يجمع كل المهتمين بالسلامة البحرية في جنوب المتوسط، وهو منتدى يطمح إلى أن يكون “مرتحلا” للتوعية بقضايا استدامة البحار والسواحل، وإدماج النساء، واعتماد تنقل بحري صديق للبيئة.

عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة، تحدث عن المتوسط “القدر”، ودورة الأكاديمية 47 التي لا تسعى إلى تسطير أجوبة، بل تطمح إلى طرح أسئلة حول وجود هوية متوسطية من عدمه، وإمكان بزوغها، وصورة المتوسط المشروخة اليوم، وهل لا يزال هذا الفضاء محرّكا لصناعة الحضارات كما كان؟

وبعد استحضار اسم المفكر البارز محمد أركون وتطلعه لإمكانٍ متوسطي، ذكر لحجمري أنه أمام فشل السياسيِّ في صيانة المتوسط، ما يطرح الآن هو “الثقافي”، قبل أن يزيد: “ولنرَ هل يُنقِذُ المتوسط”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى