أوريد: “الإسلام السياسي” لم يقدم بديلا .. والمغرب يواجه “تصحرا ثقافيا”‎

يعيش المغرب على وقع أزمة ثقافية في ظل تغييب الفاعل الثقافي واختزال الثقافة في الترفيه والتسلية، علما أن دورها يتجاوز ذلك إلى ارتباطها بكل مجالات الحياة وتأثيرها الكبير عليها؛ كان هذا محور طاولة نقاش نظمه المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، السبت بالدار البيضاء، بشراكة مع مؤسسة فريديرتش إيبرت، حضره أكاديميون وباحثون، من بينهم حسن أوريد.

وفي وصفه لحال المجتمع المغربي في علاقته بالثقافة خلال السنوات الأخيرة، قال أوريد: “بتنا نعيش حالة من التصحر الثقافي” حيث اختفت اللقاءات والمهرجانات وتوارت الصحافة المكتوبة وانتقلت إلى الرقمية، وحتى الاصدارات توقفت، والحال أن هناك حاجة ملحة للثقافة والمثقف.

وردّ أوريد ذلك إلى النيو-ليبرالية التي ساهمت في تغييب المثقف وأجهزت على دوره واستعاضت عنه بدور الخبير، بالإضافة إلى عوامل تتعلق ببروز معطيات جديدة خلال العقدين الأخيرين تفرض نفسها على الفاعل السياسي وباقي الفاعلين المعنيين بتقديم عرض ثقافي يراعي مستجدات العصر.

وأضاف أنه لا يمكن أن تتم الاستجابة للطلب الملح على الثقافة دون استيعاب الخارطة السياسية محليا ودوليا؛ إذ لا بد من استيعاب أزمة السرديات الكبرى التي كانت مغذية للفعل الثقافي، سواء الاشتراكية أو القومية العربية، فهذه السرديات اليوم تعيش أزمة ولم تعد مغذية للفعل السياسي فبالأحرى للفعل الثقافي.

من جهة أخرى، قال الباحث ذاته إن هناك تعثرا في الخطاب الهوياتي الذي انتهى إلى أزمة كما هو شأن كل الخطابات في العالم التي تتخندق في إطار ضيق، بالإضافة إلى أن خطابات الهوية، سواء في المغرب أو خارجه، تقوم على شيطنة الآخر، لذلك انتهى المطاف بأصحاب هذا الخطاب إلى عدم القدرة على تشكيل جبهة مع كل المهمشين، ولذلك نشهد حاليا في المغرب نقاشا عن الشخصية المغربية وليس عن الهويات، والشخصية ليست الهوية بل الثابت والعميق في وجدان مجتمع ما.

أما العنصر الآخر الذي كان له انعكاس على المشهد الثقافي، بحسب أوريد، فيتعلق بالإسلام السياسي، حيث رصد الباحث أزمة في خطاب هذا الأخير، معتبرا أن الانتخابات الأخيرة كانت مؤشرا على أن هذا الخطاب لم يقدم بديلا، هي أزمة قد تشكل إرهاصا لشيء جديد يسمح بمعانقة الكونية بعودة الخطاب النقدي والرؤية النقدية.

ولم تستثن هذه الأزمة الصحافة من سلتها، وبالأخص الورقية التي كانت إحدى حاضنات الفعل الثقافي، ورافعة أساسية للفاعل الثقافي، كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب التي لم تعد هي الأخرى حاضنة للثقافة والمثقفين.

ولفت المتدخل الانتباه إلى أزمة الجامعة المغربية بسبب ظروف موضوعية تتجاوز الفاعلين والأساتذة، مؤكدا أن هناك طلبة وعناصر جيدة يكون تميزها نتاج جهود فردية، كما أن هناك أطرا وكفاءات ولكنها تشتغل في إطار غير محفز، منبها إلى الأزمة البنيوية التي تعيشها الجامعة.

وفي هذا الخضم، تحدث أوريد عن وجود جيل ولد في بداية الألفية، مع الثورة الرقمية والإنترنت، لم يعرف الحركة الوطنية ولا روادها، وهذا معطى جديد، لذلك لا بد من الإقرار بضرورة التفاعل مع العناصر الجديدة، أولها هذا الجيل الجديد الذي يصعب الحديث إليه بالخطاب نفسه الذي كان سابقا، فينبغي الانتباه إلى هذا المعطى عوض التغني بأمجاد الماضي.

وقال إن “هذه الأزمة مؤشر على فترة انتقالية، فقط ينبغي الاستجابة للطلب الجديد وفق هذا السياق الذي لم يعرف فيه الجيل حكم الحسن الثاني والتقاطب بين الشرق والغرب والحرب الباردة”، وأبرز على هذا الصعيد أن الثقافة ليست مسؤولية الدولة ووزارة الثقافة، موضحا أنه “في دول عديدة، ليس هناك وزارة للثقافة، وفي فرنسا استحدثت في سياق معين، بعد الحرب العالمية وكان هناك مسوغ لذلك، وبالتالي هناك دور أساسي تضطلع به الجماعات المحلية والقطاع الخاص”.

ودعا الباحث إلى العناية بالثقافة على مستوى المدن الصغيرة والضواحي وعدم التركيز على المدن الكبرى، مبرزا في الآن ذاته التحول الحاصل خلال 20 سنة الأخيرة، موردا أن الجيل الجديد يحتاج لإطارات جديدة للفعل السياسي والثقافي ولنخب جديدة لتصحيح وضعية غياب الصناعة الثقافية الثقيلة بالمغرب، خاصة أن هذا البلد مؤهل ليضطلع بأدوار ثقافية كبيرة على مستوى العالم العربي وأفريقيا، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي، وإلى انفتاحه وترسانته الديمقراطية بوجود أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، وثقافة نقدية وثراء ثقافي.

وختم أوريد قائلا: “حينما نحلم أننا نحلم، فإن ساعة اليقظة قريبة”.

وجاء هذا اللقاء، بحسب يوسف كلاخي، رئيس المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، من أجل فتح نقاش بين مختلف الفاعلين على المستوى الوطني حول أهمية الثقافة في تنمية المواطنة والحرية وثقافة الديمقراطية، على اعتبار أن الثقافة مدخل أساسي يمكن أن يساهم في التنمية والاقتصاد والتشغيل.

وقال كلاخي، في تصريح لLE7.ma، إن اللقاء يهدف أيضا إلى رسملة التنظيمات الشبابية التي تشتغل في الحقل الثقافي والعمل على مأسستها، وكذلك العمل مستقبلا على تشبيك هذه التجارب، ثم التوثيق، حيث سيشتغل المركز على تقرير يرصد حالة الثقافة في المغرب انطلاقا من دراسة ميدانية، بالإضافة إلى مجموعة من المقترحات والتوصيات في هذا الإطار.

وسيعمل المركز على فتح نقاش مع الفاعلين والنخب المحلية في عدد من الجهات للتأكيد على أهمية الثقافة في التنمية، وذلك في سياق ما نص عليه النموذج التنموي الجديد من ايلاء الثقافة دورا أساسيا وإدماجها في التعليم وفي المناهج.

وشارك في هذا اللقاء كل من سعيد خمري، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني، ورقية أشمال، أستاذة القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومحمد المودن، أستاذ جامعي عضو المركز المغربي الديمقراطي للدراسات والأبحاث، ومحمد العزري، أستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وحسن دنان، باحث في علم الاجتماع السياسي، والسعدية وضاح، رئيسة اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان الدار البيضاء-سطات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى