رواية “العار” لسلمان رشدي .. تحفة تُعري حطام الضعفاء واضطهاد الأقوياء

من رواية “أطفال منتصف الليل” إلى رواية “الغضب” و”آيات شيطانية” و”المهرج” عمل سلمان رشدي على بناء عالم أدبي تتبدد فيه سحب من الضباب وصفها النقاد بالواقعية السحرية، حجابًا تلو الآخر.

قام في رواياته الأولى بابتكار شبه جامح بسرد الواقع وتدميره في آن واحد وجعله يقفز إلى قطع مثناترة للزمكان وطمس الحدود بين الموضوعي والذاتي. ذاك هو سلمان رشدي المبدع كما في روايته “العار”.

العار: التطهير

“العار” هي مأساة يعرّفها المؤلف بنفسه على أنها مسرحية يؤديها مهرجون وممثلون لا يجيدون فن التمثيل. تدور أحداثها في بلد منحرف قليلاً عن الواقع يسمى Q، وهي مدينة بعيدة على الحدود حيث الاشتباكات بين رضا حيدر (الذي وصل إلى السلطة من خلال انقلاب) وإسكندر هارابا (رئيس الوزراء وزير نساء) تتحد أسرهما في وقت واحد من خلال الزيجات واللقاءات الجنسية التي تقوم بها بشكل رئيسي الشخصيات النسائية.

رواية “العار” جيدة للغاية، ينقلنا فيها رشدي مرة أخرى إلى موطنه الهند، ويبدو أن العنوان جاء إليه نتيجة حدث قرأه في إحدى الصحف اللندنية: قُتلت شابة باكستانية على يد والدها “لتطهير العائلة من دنس العار” لأنها أقامت علاقات جنسية مع صبي أبيض.

“العار” تحفة يقدم فيها سلمان رشدي النقد الاجتماعي والسياسة العليا المتبعة والعواطف الغرامية والشخصيات الشديدة للغاية والتجمع المثالي لأوقاتها وأماكنها المتعددة واللغة التي تثير…

اضطهاد الأقوياء

“العار” رواية لسلمان رشدي (كاتب بريطاني هندي ولد في بومباي عام 1947)، نُشرت عام 1983، وفيها يجمع الكاتب حياة ثلاث عائلات، استولت في أوقات مختلفة على السلطة/ حكومة باكستان أو تعيش بالقرب من بعضها البعض. من المعروف أن مصطلح باكستان، مختصر ومبتكر في الأصل من طرف مجموعة من المفكرين المسلمين في إنجلترا. ويشير رشدي في العمل إلى P للبنجاب وA للأفغان وK للكشميريين وS للسند و”تان”.

يدرك المرء عند قراءة الرواية أوجه التشابه مع جميع البلدان التي حررت نفسها بمرور الوقت من الاستعمار الأوروبي لتقع أمام حكومات همها الوحيد وما سعت إليه هو الحصول على الثروة من خلال التمسك بالسلطة، نماذج لدول إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق آسيا وأوروبا الشرقية.

إذا وضعنا جانبًا العنف والانفجارات والرجولة والتعصب الديني، يمكننا أن نلاحظ النقطة المركزية في السرد متحدثة عن صوفيا زنوبيا، طفلة صغيرة بإعاقة، مع مرور الوقت يطلقون عليها اسم “العار”؛ البلهاء التي نما جسدها أسرع من عقلها (شيء نظيف في عالم قذر، يعلق الراوي). كل ذلك بسبب إصابتها بالتهاب في الدماغ. يقرر والداها، اللذان يخجلان منها، إنجاب طفلة أخرى وترك زنوبيا في رعاية السماء.

نشأت الطفلة زنوبيا على هذا النحو تحت رعاية آياتها وهجران والديها. مع شعور والدتها بالخجل أكثر فأكثر من وجودها، وتكرس نفسها لابنتها الثانية التي أنجبتها وتوافق على كل شيء تطلبه، لدرجة أن أختها الصغيرة تصبح شخصية أخرى تهين وتسيء معاملة صوفيا زنوبيا. بينما يقاتل والدها مثل الجنرال الذي كان عليه ويسعى لتولي السلطة في البلاد، ويصم آذانه عن سماع أن لديه ابنتين ولا رجل يديم دمه ويتسامر معه.

يخبرنا رشدي أن والدتها تشعر بالضيق من الطيور الداجنة التي كانت تمشي طوال اليوم وتحدث ضجيجًا حولها. فتهرب الفتاة من المنزل وتعاقب الطيور: “لقد نزعت رؤوسهم ثم غرست يديها في أجسادهم لتخرج أحشاءهم من خلال أعناقهم بيديها الصغيرتين وغير المسلحتين”.

يتم تقديم هذين المشهدين الأولين لعنف صوفيا زنوبيا الصغيرة على أنهما استعارة للقمع المستمر للأقليات. أولئك الذين يتعرضون للإهانة كل يوم بسبب العنصرية والطبقية والتعصب.

إن العيش تحت وطأة العار كيفما كانت أشكاله وتلويناته فعل مخز مثل العيش في ظل اضطهاد الأقوياء، واضطهاد الحكومات بنشر ثقافة التقشف والتفقير على المحكومين والمقهورين، باعتباره ليس أكثر من سماد يجعل كل شيء ينفجر في نهاية المطاف. هذا هو التشبيه الجميل الذي يقدمه لنا رشدي في هذا العمل. عنف الطفلة صوفيا زنوبيا وتعنيفها، والتي ولدت مصابة بالتهاب في الدماغ وهجرها الجميع، حتى تلك التهويدة التي قالت إنها تحبها وتعتني بها كانت مجرد هراء كبير.

يحدثنا الكاتب عن طفولة فتاة تتأذى منذ الولادة ويتخلى عنها وتنتهك وتتهم دائمًا ويقال عنها طوال الوقت “أنت عديمة الفائدة ” تنمو بفضل غريزة البقاء لديها وتصبح وحشًا على قيد الحياة، محملة بالعنف وغافلين عن انعكاس أفعالها ونتوقع منها أن تكون مسؤولة عن أفعالها؟

العار: الحكاية المزعجة

تراوح رواية “العار” مكانها بين والوقاحة والخزي وهو المحور الذي تلتف حوله الرواية بكاملها. بين هاته الظروف وبين هذين القطبين تحضر القسوة الكبرى والوحشية بجذور العنف بكل تجلياتها التي تتمدد ولا تنتهي. رواية “العار” غرائبية، غير مزيفة وهي حكاية مزعجة لتشريح العقل البشري في تعامله مع الآخر الضعيف.

يستخدم رشدي نبرة مباشرة مع قارئه وهو الذي يسأله باعتدال، وليس السعي وراء التواطؤ معه بقدر ما يوضح من المسؤول في السرد، فضلاً عن النية- التي يكشف عنها الكاتب في منتصف الطريق- من كتابة مثل هذه القصة.

“العار” رواية باروكية، منمقة، تعدد البشاعات مرات عديدة عن وحشية وأفعال الآخرين بنهايات مروعة مثل ريح ملتهبة مشحونة ببوادر سيئة. إنها أيضًا استعارة مذهلة وغير مريحة للغاية لتاريخ باكستان وبنغلاديش المعاصر في ظل تقسيم الهند لجدران قصورها على أكثر من مثلث.

“[…] الحاجز الشهير الذي أكله العثّ والذي قطع البلد القديم إلى أشلاء وأعطى الله بضع شرائح تقتاتها الحشرات وبعض الأفدنة الغربية المتربة وبعض المستنقعات الشرقية التي يتخلص منها الأشرار بكل سرور. (بلد الله الجديد: قطعتان من الأرض يفصل بينهما ألف ميل، دولة من غير المرجح أن تكاد أو أن تكون موجودة)”.

إنها رواية بطيئة الهضم للتفكير والإحساس بفضل مستوى السرد المحموم إلى حد ما، عن الغضب من أجل الأحلام المحطمة والإساءة والجشع والجريمة والرجولة والعنف والتعذيب، وقبل كل شيء الألم العميق والمعتصر للأشخاص الذين يظهرهم رشدي: هذا هو التعاطف الذي يشعر به الكاتب تجاه شخصياته.

يختتم سلمان رشدي روايته بأن “الضعفاء والمجهولون والمهزومون يتركون القليل من الآثار: نماذج الزراعة وفؤوس الحديد والأساطير الشعبية والأباريق المكسورة وتلال الدفن والذكرى الباهتة لجمال شبابهم”. ذاك حال البلاد التي يحكمها الطغاة والجبابرة.

* كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى