تأسيس الجمعيات في المغرب .. ضرورة ملحة أم “تضخم دون فائدة”؟

تجاوز عدد الجمعيات بالمغرب 200 ألف جمعية، وهو آخر رقم أعلن عنه الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، وذلك في معرض حديثه عن التدابير التي تعتزم وزارته القيام بها لفائدة جمعيات المجتمع المدني.

وسبق للوزير مصطفى الرميد في حكومة العثماني أن أعلن عن رقم مماثل، عندما أشار سنة 2020 إلى أن عدد الجمعيات المسجلة قانونيا بالمغرب تجاوز 200.000 جمعية؛ في حين أن الوزير مصطفى الخلفي في حكومة بنكيران سبق أن ذكر أن عدد الجمعيات المسجلة قانونيا بالمغرب يبلغ 160.000 جمعية.

هذا التضارب في الأرقام، حسب السوسيولوجي المغربي، ورئيس المرصد المغربي للحياة الجمعوية والمدنية، فوزي بوخريص، “هو مؤشر على خلل في السياسة الرسمية تجاه الجمعيات، بالنظر إلى أن أي سياسة أو تخطيط يهمها ينبغي أن يستند إلى أرقام وإحصاءات مضبوطة؛ غير أن المتتبع للشأن الجمعوي بالمغرب يصطدم بحقيقة شح المعطيات الإحصائية حول الجمعيات ومحدوديتها، والتكتم عنها، وفي حالة توفرها يلاحظ غياب أي تحديث منتظم لها”.

وأشار الباحث ذاته، في ورقة علمية أعدها حول الديموغرافية الجمعوية بالمغرب، إلى أن “عدد الجمعيات بالمغرب قياسا إلى عدد السكان مازال بعيدا عن المعدلات الدولية في هذا الشأن، عكس ما يكشفه الحس المشترك بخصوص تضخمه، خصوصا بعد انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”.

وتبعا لذلك، يوضح بوخريص، “إذا كان متوسط عدد الجمعيات لكل 100.000 نسمة بلغ سنة 2007 حوالي 145 جمعية فإن هذا الرقم أدنى بكثير من نظيره في فرنسا، الذي بلغ 1749 سنة 2005، أو في كندا حيث بلغ 508 سنة 2003″، وزاد: “من باب المقارنة دائما فإن عدد الجمعيات في فرنسا سنة 2008 تراوح ما بين 1.1 و1.3 مليون جمعية، بزيادة تقارب 70.000 جمعية محدثة سنويا؛ الأمر الذي يعني أن عدد الجمعيات هناك قياسا إلى عدد السكان تراوح في هذه السنة ما بين 1709 و2020 جمعية لكل 100.000 نسمة”.

وأشار الباحث إلى أن “الحيوية الكبيرة التي ميزت الحقل الجمعوي بالمغرب في العقود الأخيرة، مع التزايد الكبير والمضطرد لعدد الجمعيات، تعبير عن توسع مجال المشاركة الاجتماعية، إذ أصبح إنشاء الجمعيات يعبر عن تعقد المجتمع وتغيره، ويستهدف تجاوز الاختلالات التي يطرحها هذا التعقد وهذا التغير بالنسبة للمواطنين”.

ولفت السوسيولوجي ذاته إلى أن “الديموغرافيا الجمعوية شهدت تغيرا على مستوى توزيعها الجغرافي، إذ لم تعد متمركزة في المدن الكبرى، وإن كان مازال اللاتكافؤ في التوزيع بين المدن الكبرى والصغرى، وبين المدينة والقرية، هو الغالب؛ بل يمكن القول إنه لزمن طويل كان هناك تناسب بين قلة فرص بعض المناطق في التنمية، كما هو الحال في منطقة الجنوب الشرقي (جهة درعة تافيلالت حاليا)، وفرص وجود جمعيات بها، في حين أن المنطق كان يفترض العكس”.

ويفيد الباحث نفسه بأنه “مع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي لم تعد الظاهرة الجمعوية ظاهرة حضرية بإطلاق، إذ أخذ العمل الجمعوي يستقطب ويستهوي فئات جديدة من المغاربة في القرى النائية، في الجبال والصحاري، وفي كل مناطق المغرب”.

ومن جهة أخرى أكد بوخريص أن “من أسباب نجاح الحركة الجمعوية في عدد كبير من المناطق القروية الأكثر حرمانا في المغرب الروح المدنية للنخبة المحلية المهاجرة في المدن الأخرى داخل المغرب، أو في بلدان المهجر، والتي تعود إلى قراها الأصلية لتقدم تجربتها للساكنة، وتساهم بالتالي في تطوير العمل الجمعوي بهذه المناطق”، مضيفا أن “التغيرات التي طالت الديموغرافيا الجمعوية ليست مسألة اعتباطية، بل هي مؤشرات مهمة على ما يحدث في المجتمع”.

وخلص الباحث إلى أن “تأسيس الجمعيات يمثل حاجة اجتماعية تطمح إلى ملء الفراغ الذي تتركه عادة تدخلات الفاعلين العموميين، أو نتيجة لمحدودية تلك التدخلات أمام الطلب المتزايد والأزمة المتصاعدة، بفعل ما تمخض عن اعتماد سياسة التقويم الهيكلي، وتراجع المؤسسات التقليدية عن أداء أدوارها، وعدم قدرة الدولة على التكفل بحل جميع المشاكل الاجتماعية التي تميز مجتمعا في تحول كامل”.

“في هذا الإطار تشكل الجمعيات أحد البدائل الإيجابية الممكنة لمآل التغير الاجتماعي بالمغرب، في ظل استشراء واقع الإقصاء، والهشاشة والفقر. وفي غياب هذا البديل الإيجابي يكون المجتمع في مواجهة اختيارات أو ملاجئ أخيرة لها نتائج سلبية، ليس على الفرد فقط، وإنما على المجتمع في كليته، لعل من أبرزها الاضطرابات الاجتماعية والهجرة السرية، والتطرف الديني، والتهريب، والمتاجرة بالمخدرات، والعنف الحضري…”، يورد بوخريص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى