من “البروفات المسرحية” لبوشعيب البيضاوي .. قلب في اليمين يسع العالم

في إطار البروفات التي كان يجريها بوشعيب البيضاوي لإحدى مسرحياته مع جمهور صغير، حضر بعض التلاميذ والتلميذات لنادي المسرح لثانوية تأهيلية برفقة أستاذهم. ولأكثر من مرة تتوقف هذه التداريب لتصحيح العمل الفني والوقوف عند بعض التفاصيل المهمة، تصعد تلميذة تبلغ من العمر خمس عشرة سنة متحدثة معه في ما رأته وما سمعته عن الفنان بحكم أن مكان التداريب كان قريبا من الثانوية وهي مولعة بالمسرح والموسيقى. تصعد مصعدا صغيرا به أربعة أدراج ويصعد معها ثلاث تلميذات وتلميذ محتشم في العمر ذاته.. يتحلقون حول الفنان ويدور الحوار التالي:

الفصل الأول:

التلميذة: (تحمل مذكرة صغيرة في يدها اليسرى) أهلا سيدي، كان تدريبا جميلا.. أتمنى أن تكون بخير ويسعدني التعرف على أعمالك في الموسيقى والمسرح؟

بوشعيب البيضاوي: (فارع القامة.. نحيف شيئا ما.. يضع أحمر الشفاه وتكشيطة مغربية) بكل فرح، ما اسمك أولا؟

التلميذة: (تلبس لباسا متسقا وأنيقا) اسمي زينب

بوشعيب: (مشجعا لها) تفضلي.. مرحبا بكم

زينب: (يحمر وجهها قليلا من الخجل) لقد طلب منا أستاذنا أن نكتب سيرة ذاتية عنك باعتبارك وجها مألوفا في الوسط الفني ومشهورا، لذلك جئنا لنقوم بهذه المقابلة حتى يطرح كل واحد منا بعضا من أسئلته. وحقيقة، أشعر ببعض الحرج من طرح بعضها.

بوشعيب: (يظهر ابتسامة عريضة) لا بأس.. نحن هنا وسط المسرح وكل الأسئلة مباحة.. تفضلي.. لا تقلقي سأجيبك بكل ما استطعت..

زينب: (تستجمع بعضا من توازنها) حقيقة لأول مرة أرى أسطورة شعبية في فن العيطة يضع أحمر الشّفاه وباروكة شعر أنيقة، وقفطانا مغربيا أصيلا، إنك تمتلك حقا صوتا رخيما تتفوّق غناءً وأنوثةً على معلّماتك الرائدات في هذا النوع من الأغاني التراثية المغربية، أمثال الشيخة الرونو اليهودية، والشيخة الرْوِيضة، والشيخة البهلولية المْزَابِيَّة، اللواتي تألّقن كثيرا في هذا الحقل الفني… من هي الأقرب إلى قلبك؟

بوشعيب: (يضحك قليلا) هذا فقط الشكل والتمظهر الذي يبدو من النظرة الأولى، الأمر أعمق من هذا.. يتطلب المسرح والموسيقي والفن عموما نوعا من التمرد على كل الواقع المعيش. لو لم أكن بهذا الشكل لما استطعت أن أكون أنا. الحياة ليست أكثر من طبقات لا نهاية لها كلما توغلنا فيها طال بحثنا عن الفرح القابع في الأعماق. أما المرح والموسيقى والمسرح.. فهي الكلمات التي تتحول بعطر الإبداع لنحافظ بها على ما تبقى من الإنسان فينا. وأنا أبحث عن عمق الانسان بداخلي. من طبيعة الحال أنا مجموع هاته النسوة الرائدات وأنا امتداد لهن في هذا الحقل الفني…

(يجلس على كرسي ليصبح في مستوى طول التلميذة) سأخبرك، أنا أمارس المسرح والغناء عموما لأنني أريد أن أفعل شيئًا لنفسي وللآخرين. أمارس المسرح لأنني أعتقد أنه يخدم التواصل بين الناس، لأنني أعتقد أنه يمكن أن يكون طريقًا للفهم ولفهم الواقع بشكل أفضل. ربما لا يمكن أن يختفي المسرح لأنه الفن الوحيد الذي تواجه فيه الإنسانية نفسها.

زينب: (تقترب منه قليلا) كيف ذلك؟

بوشعيب: (يتحدث بإيماءات نسائية وغنج) من خلال العيطة جعلت من كلماتها ومن موضوعها فنا يتفوق على الحزن.. الفن هو الاحتفال والغناء هو تحقيق الجمال وبعث البهجة لدى المضطربين والمنزعجين والعاشقين للفن والجمال…

الفن عموما وحده يخترق ما ينشأ في كل مكان من الكبرياء والعاطفة والذكاء والعادات ليؤسس لحظات من الفرح ويتجاوز عتبات الحزن. هناك حقيقة أخرى يجب ألا نغفل عنها.. هذا الواقع الذي يرسل إلينا دائمًا إشارات قوية وبدون فن لا يمكننا استقبالها وفك شفراتها. الفن وعد بالانجازات الداخلية.

(يصمت قليلا ويلامس بإبهامه الأيمن أصابع يده اليسرى التي يضع بها خواتم ذهبية ثمينة) يمكن للفن أن يغير شعوري في المساء بالفرح بعدما يكون نهاري مثقلا بالهم والحزن. نفس العمل الفني يمكن أن يغيرني بطرق مختلفة وأشعر براحة داخلية قصوى. علينا أن ندثر أنفسنا يوميا بمساحات كبيرة من القراءة والفن.

التلميذة سارة: (تتشجع وتقفز على الحوار وهي تحمل قلما ومذكرة وتسجل ما يقال وتنصت باهتمام بالغ) أنا اسمي سارة وأود أن أسألك سيدي هل بوشعيب البيضاوي اسمك الحقيقي؟

بوشعيب: (يبتسم) أنا بوشعيب الزبير، أما بوشعيب البيضاوي، فهو اسم فني، نسبةً إلى مدينة الدار البيضاء حيث رأيت النور، وترعرعت ودرست في مدارسها. الأسماء الفنية مثل العلامات التجارية تحمل هوية من يحملها وهوية ما نقدمه من أعمال فنية.

سارة: (تتخلص من بعض الخجل المرافق لها) قال لنا الأستاذ إنك ولدت في مكان يعج بأعمال الدعارة وعشت طفولتك في سنوات اتسمت بالفقر الشديد.. هل هذا ما دفعك لتتشبه من خلال استعراضاتك الأنثوية المعلنة بالنساء سواء في غنائك أو تمثيلياتك المسرحية بهذا النمط في مجتمع محافظ يتسم بالتناقضات العميقة؟

بوشعيب: (يضع أصابعه على شعره المنسدل ويغير قليلا من وضعية جلوسه) أن تولد في حي راق وكبير للدعارة مثل حي “بوسبير” بالدار البيضاء، وهو على فكرة صنيعة استعمارية محضة، ليس معناه أن تكون منخرطا في هذا الفعل بشكل مباشر .. لكنه يترك خلفه مجموعة من الآثار والندوب. بالفعل ولدت في هذا الحي في عام الكساد والأزمة الاقتصادية العالمية وتشبعت في هذا الحي بألوان مختلفة من النساء بكل أشكالهن. كان الجسد هنا حرا غير مقيد ومتحرر. وهذا ما دفعني لأتحرر من العقد ومن إكراهات المجتمع… في عوالم الدعارة، الجسد لا يباع بل يستعمل، لكن مع ذلك ولدنا بأجسام صغيرة وضئيلة، لذا وجب علينا أن نستخدم عقولنا بشكل نقدي أفضل.

سارة: (ترتدي لباسا أنيقا) كيف كانت طفولتك؟ وكيف كانت بداياتك الفنية؟

بوشعيب: (يلامس أساور ذهبية يضعها في يده اليمنى) بحكم أنني درست في مدارس حديثة في الدارالبيضاء وحصلت على شهادة محاسب، ومن ثم تابعت دراستي في فرنسا بحيث درست الأدب الفرنسي وتشبعت بثقافة أدبية فرنسية، فضلاً عن تعلمي أساليب الأناقة الباريسية التي غدت من سلوكي اليومي، وهذا معطى آخر غير من شخصيتي ومن نظرتي للأشياء وساعدني في ترسيخ مفاهيمي حول الفن، وفي الآن ذاته شُغفت بغناء العيطة كلون تراثي عتيق ومحلي جداً، إذ بعدما عملت في مكتب محامٍ فرنسي مقرب من الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي في البيضاء، تركته لأعمل في مصبنة للملابس في المدينة القديمة، وفيها تعرفت على كثير من الفنانين أمثال لحبيب القدميري والبشير العلج وأحمد البيضاوي ومحمد البورزكي ولمفضل الحريزي، وغيرهم، حيث كانوا يتوافدون على المصبنة، وتعرفت من خلالهم على العديد من الأعيان والشخصيات الهامة، وكذلك حضرت حفلات كبار الشيخات والشيوخ في المغرب، لأغرم بهذا اللون الغنائي وتنطلق مسيرتي الفنية….

منى: (تبدي نوعا من التعجب) كنت محاسبا وتحولت إلى مغن للعيطة وإلى ممثل مسرحي؟ لماذا هذا التحول؟

بوشعيب: (يلامس شعره بيده اليسرى التي يحركها كثيرا ويلامس أساور ذهبية يضعها بيده اليسرى) كانت ميولاتي على النقيض من تكويني الأكاديمي، تجرفني وكنت أنساق خلفها.. حيث بدأت أتعقب أثر الشيخات لحفظ “عْيُوطِهِنَّ” (يضحك) خاصةً العيطة المرساوية، ماذا نعرف عن هذا الفن؟ (يصمت قليلا) وبما أنني كنت أتقن العزف على آلتي الطعريجة والدف، التحقت بفرقة الحاجة الرويضة التي سجلت أول أشرطتها لدى شركة الإنتاج “أبيضافون”. وهناك تعرفت إلى محمد الحريزي الشهير بالماريشال قيبو، الذي سيشكل معي أشهر الثنائيات التي عرفها تاريخ فن المرساوي وهو أحد أصناف العيطة. هناك مسارات حياتية لا يمكن أن نتحكم في حجم التحول فيها أو إيقافها على مسار محدد.

منى: (أنيقة وتمتلك حسا ثقافيا وقدرة كبيرة على الحوار) اسمح لي سيدي، لم تتوقف المفارقات التي حظيت بها شخصيك وشكلتها عبر مسار حياتك، بل تجاوزت فكرة التدثر بروح الأنثى وجلدها، وقدمت تمثيليات ممسرحة مع المسرحي البشير لعلج، فشرعت تشخّص بلكنة عذبة – تنطق الراء غيناً- دور المرأة في غياب الحضور النسوي على المسرح، بزينة نسائية مفرطة وصريحة ومعلنة بدون تررد وبدون تخوف.. تحيي بها سهراتك الفنية، ناهيك عن لهجة الدفاع المستميتة عن رجولتك كلما أثيرت مسألة أنوثتك. كيف تعايشت مع هذا النمط من المفارقات في مجتمع يقبل بالشيء ونقيضه؟

بوشعيب: (يقف ويتحرك خطوتين والبسمة لا تفارقه ويعود لمكانه) يا له من سؤال مستفز، يوقظ المشاعر والأذهان !!! إيقاعات الحياة تختلف بين المسرح والغناء ومساراتنا اليومية.. الفنان شخص مزاجي ومتقلب بروح هائمة. ماذا يعني أن يضع رجل أحمر الشفاه على ردح المسرح وهو يؤدي دورا نسائيا؟ الأمر بسيط هو كيف نرى الأشياء؟ هناك أكثر من منظار ومن زاوية للرؤية… أحمر الشفاه وباروكة الشعر والقفطان المغربي هي أنماط للتباهي وللتمثلات الاجتماعية، وهي في الأصل وسائل فقط للعروض الفنية دون غيرها.

زينب: (تتدخل في الحوار) ماذا عن هذه الأنوثة المفرطة؟

بوشعيب: (يقف ينظر إلى قفطانه وحزامه المذهب بإعجاب شديد وينظر على يمنيه ويساره) أن يعيش المرء بحس الأنوثة ومفرطا في الأناقة ليس عارا ولا ابتعادا عن مفهوم الرجولة. أن أتقن تقمّص دور المرأة الذي طورته كثيرا في أكثر من منحى عبر هذه السنوات وألا يتعدى الأمر بطبيعة الحال الانتقال من الهوية الفنية إلى الهوية الجنسانية.

حقيقة تعلمت مع مرور السنوات كيف أضع فن الماكياج والباروكة وألبس أزياءً وإكسسوراتٍ نسائيةً مختارة بعناية في العروض الموسيقية، والمشي بغنج ودلال الجميلات.. ربما لهذا أحبني المغاربة كفنّان ومغنٍّ وراقص، وفصلوا بين شخصيتي الأدائية وواقع حياتي وانشغالاتي اليومية. وكان هذا الحب كبيراً يتجلى حتى في القاعات والأماكن التي كنت أقيم فيها العروض الموسيقية حيث تغص عن آخرها. وأينما كنت أذهب أجد من يردد أغنياتي بشغف عند الجميع ويحتفي بي بشكل إنساني كبير.

سارة: (تبتسم) يقال عنك إنك سخي وكريم.. لماذا كل هذا الكرم منقطع النظير؟

بوشعيب: (يضحك ويعدل حزامه المذهب) أنا لست سخيا ولكن ذاك هو طبعي.. سأحدثكم عن موقف حدث معي؛ كنت أداوم على محل للحلاقة في البيضاء، وذات يوم كنت ألبس معطفاً من الطراز الفاخر أعجب به صديقي الحلاق، فما كان إلا أن نزعته ومنحته إياه كهديةً. ظل متعجبا.. السخاء هو طعم الأمنيات الصغيرة التي يحققها الفن. أعتقد أن الفن هو العطاء.

زينب: (تلامس حاجبها الأيسر بيدها اليسرى) بماذا تغنيت؟

بوشعيب: (ينتقل إلى الجانب الأيسر من الخشبة حيث هناك ديكور على شكل أريكة طويلة ويلامس سلسلته الذهبية في عنقه) تغنّيت بموضوعات متباينة بين العاطفي والاجتماعي والسياسي، تغنىيت بالحب والمقاومة والفروسية والجمال والطبيعة في أغانٍ من قبيل “ماشفتو غزالي”، و”خربوشة”، و”ركوب الخيل”، وغيرها من الروائع التي يجب حفظها للذاكرة الفنية المغربية. ذاك جزء من التاريخ اللامادي للمغاربة وجب صيانته والإبداع فيه. كما قمت بإدخال المقامات الأندلسية على العيطة، وكنت أقرأ عن علاقة فن العيطة بباقي الفنون وبالمسرح والأشكال الإبداعية الجديدة التي يمكن أن يتمدد فيها هذا الفن الجميل. كما تم توظيف آلة العود من قبل الماريشال قيبو الذي شكلت معه ثنائياً استثنائياً كما سبق الذكر. الكثير من جمهوري العريض أشاد واندهش بعذوبة صوتي ورهافة الأداء المنبعث منه. ألا يكفيني هذا فخرا؟ !!!…

منى: (تجلس بالقرب منه بالأريكة وتضع رجلا على رجل تقلده في الجلوس) كشخصية فنية أحبها المغاربة وتربّع على عرش سلطة الأضواء، هل كنت دوما تنتصر لثقافة الفرح؟ ما الذي اختلف بين الأمس واليوم؟

بوشعيب: (ينظر إليها بإعجاب) عشت في سياق مغربي محافظ .. له تقاليده الفنية.. في مجتمع مطبوع باحترام الحريات الفردية، وتجذّر قيم التسامح والقبول بالاختلاف، كما يمتلك سجلا ثقافيا وتمثلات ثقافية تنتصر لثقافة الفرح والاحتفال. طبعاً مجتمع متحول بحكم انفتاحه.. لا يمكن أن يوضع داخل صندوق ثلج، ودوماً هناك تحولات جارية بلا انقطاع، والمتغير فيها هنا هو الانتقال من سجل القبول بالاختلاف إلى سجل الوصاية والعنف بكل أشكاله بحكم استيراد ثقافات منغلقة. (يصمت قليلا ونظرات الجميع تلاحقه) تقبّلني الجمهور المغربي كما أنا وكما رسمت لهويتي التي اكتسبتها من الأسواق والحلقات الغنائية ومن ملابس النساء المغربيات وطريقة إبداعها بشكل جيد. كل هذا جعل أغنياتي تحظى بشعبية كبيرة واعتبرت أسطواناتي الأكثر مبيعاً في مجتمع متسامح ينتصر لقيم الفن.

حسن: (يتقدم قليلا ويجلس بالقرب من منى) سيدي اسمي حسن وأنا مع المجموعة.. وسؤالي كيف استطعت أن تتحول إلى ظاهرة فنية؟

بوشعيب: (يشبك أصابع يديه) حقيقة كنت الأشهر، ربما استطعت أن أتحول إلى ظاهرة فنية كما أعتقد بفضل مجموعة من المكونات؛ أولها احتلالي مساحة كبرى ضمن شاشات التلفزيون المغربي وامتلكت شرعيّةً فنيةً أكبر في أوساط الجمهور وقدرتي على إبداع نمط جديد من العيطة ومن المسرح. ينضاف إليها كذلك رواج أسطواناتي الغنائية مصحوبة بصوري التي انتشرت في القرى والمدن بشكل كبير جدا.

لكن ظاهرة الرّجل الذي يرتدي الزي النسائي الذي يغنّي ويرقص ويمثل، كانت منتشرةً في المسرح الشعبي، وأيضاً في الأسواق المغربية ومثّلت فضاءً عاماً للفرجة أيضاً في المدن والبوادي وفي الساحات. وعلى الرغم من كثرة الفنانين الذين لجؤوا إلى هذا الشكل الفني، ربما أبدعت فيه بأناقتي واختياراتي وكسرت كلّ القيود بحكم ثقافتي المزدوجة وما أمتلكه من جرأة وشجاعة وتمرد وحس ثقافي وانفتاحي على فضاءات باريس وثقافتها وغوصي الكبير في الثقافة المغربية…

زينب: (تقف من جلوسها على الأريكة) ما المعنى أن تكون مختلفا؟

بوشعيب: (بنوع من الثقة والجزم، يضع رجله اليسرى على رجله اليمنى) لا تخافوا من أن تكونوا مختلفين! اختاروا المسارات الخاصة التي تحبونها. كونوا أبطال أنفسكم !” (ينظر إلى وجوه التلاميذ) .

لا يمكنكم أن تكونوا قطع أثات من الأشياء لإرضاء الأشخاص. كل واحد أن يجب أن يكون نفسه وشخصيته وفريدا ومختلفا فيما يفعله. إن كنتم محظوظين بما يكفي ستكونون مختلفين جدا. قوموا بالأمور البسيطة والبسيطة بشكل لا يصدق، ذاك هو جوهر الإبداع.

منى: (بابتسامة ماكرة) هل تملك قلب أنثى؟

بوشعيب: (يشير إليها بأصبعه) يا لك من ماكرة !! (يضحك) كل إنسان عاشق ومحب للجمال يملك قلب أنثى.. يجب أن تعرفوا أن الشخص الذي يملك حسا من الأنوثة يعترف بالمساواة والإنسانية الكاملة بين المرأة والرجل. حقيقة أنا أملك قلبا في اليمين يسع كل هذا العالم.

زينب: (تغمرها الفرحة) هل يمكن أن نشاركك أغنيتك المحبوبة: “اللي بغا حبيبو”؟

بوشعيب: (يقف ويستعد للغناء، يعدل من وقفته ومن قفطانه) بكل فرح

بوشعيب + التلاميذ: (بصوت جماعي)…

اللي بغا حبيبو…يطلع للرباط …يشكي ويجيبو…ويصبر اللومة وكلام الناس

يا لباس يالباس. سيدي ما يكون باس…عندك يا سيدي… قلتي تجي واماجيتي

سيدي للي جرا مكتوب يا المحبوب…

التلاميذ: (بفرح كبير) نشكرك على هذه الإفادات والمعلومات الفنية القيمة ونتمنى لك مسيرة موفقة…

بوشعيب: (تبدو علامات الفرح عليه) بكل فرح.. يسعدني ذلك. شكرا لمجيئكم…

الفصل الثاني:

قدم أعضاء فرقة نادي المسرح من التلميذات والتلاميذ المشاركين نص المسرحية للأستاذ المشرف بعنوان “بوشعيب البيضاوي: قلب في اليمين” عنوانا على تميز شخصيته وانفلاته من ثقافة منغلقة إلى ثقافة أكثر انفتاحا. وهكذا بدأت عمليات توزيع الأدوار المسرحية.

الأستاذ: (يرتدي بدله أنيقة وتبدو علامات الفرح مرسومة على محياه) قبل أن نوزع أدوار المسرحية حسب اختياراتكم .. ما الذي استفدتموه من خلال المقابلة مع الفنان بوشعيب البيضاوي؟

زينب: (تضع تسريحة شعر قصيرة وعلامات البهجة واضحة عليها) ما تعلمته خلال هذه المقابلة وما سجلته من ملاحظات هو الحضور الطاغي لثقافة الفرح في شخصية الفنان بوشعيب البيضاوي. وكذلك أن الأشياء الجميلة التي نحبها يجب السعي خلفها عن طريق العمل الجاد. حينما نكون صادقين مع أنفسنا نفعل ما يحلو لنا بدون تردد. تكمن البهجة في فرحة الإنجاز وفي إثارة المجهود الإبداعي، لهذا نسميها بسلطة الفرح والجمال. ليست السعادة شيئًا مؤجلًا بل هي شيء مصمم للحاضر وزينته .. وهذا سر الابتسامة التي ترتسم على شفاهنا.

حسن: (يتقدم خطوتين نحو المجموعة بدون ارتباك وسط الركح) ما تعلمته.. أن أحترم الآخرين وألا تكون لي أحكام مسبقة قبل الاطلاع والمعرفة. في نظري أن تكون مختلفًا يعني ببساطة أن لديك شيئًا فريدًا تقدمه للآخرين. أنا مختلف عن أي شخص يعني أنني لست نسخة من الآخرين. وكوني مختلفًا هذا لا يعني مغرورا بنفسي ولا متعجرفا. وأعرف مسبقا لا يمكنني إحداث فرق كبير سوى أن أكون مختلفا. أعتقد أن لكل شخص هويته وجماله الخاص وكل شخص مختلف هو جميل حقًا بما يحمل. أن نكون جميعًا متشابهين سيكون الأمر مدعاة للسخرية وللضجر والممل.

سارة: (تبدي نوعا من الحماسة .. تضع ضفيرة) ما تعلمته هو أن نتشارك أوجه التشابه ونحتفل بثقافة الاختلاف. وعلى كل واحد منا أن يكون دائما نسخة من الدرجة الأولى لنفسه، بدلا من نسخة تتكون من درجات متدنية وسيئة لأشخاص آخرين نتشبه بهم. أكيد علينا أن نتعلم التلاؤم والتوافق والمرونة التي تسمح لنا بالاندماج مع أي شخص آخر.. منفتحين على ثقافة الآخر، كوني مختلفة هذا يتيح لي أن أكون على سجيتي وطبيعتي مقتنعة باختياراتي وفريدة فيما أفعله وأكثر إبداعا.

الأستاذ: (يتقدم المجموعة) حسنا.. من يريد أن يؤدي شخصية الماريشال قبو؟

زينب: (ترفع يدها) أنا أستاذ، أحببت كثيرا شخصية الماريشال قيبو.. لما قدمه لفن العيطة وكمجدد فني في الساحة الإبداعية لهذا الفن بالمغرب.

الأستاذ: (يتوجه إليها بالسؤال) حسنا ولكن أنت أنثى.. كيف تدافعين عن اختيارك؟

زينب: (بلغة واثقة) في المسرح لا تطرح كثيرا مسألة الذكورة والأنوثة ولكن السؤال المطروح عن قدرتنا على تقمص الشخصيات وعلى الإبداع والتوغل في عمق الشخصيات وأبعادها المختلفة هو الشيء المطلوب.

الأستاذ (يصمت قليلا) من يرغب أن يؤدي شخصية الفنان بوشعيب البيضاوي؟

حسن: (يبدي نوعا من الحماسة) أنا..أنا ..أنا أستاذ..أحببت هذه الشخصية كثيرا، وهو عنوان عن شخصية متمردة ومحبوبة وسخية تمتاز بالكرم الشديد.. أطلق العنان لمواهبه التي تفجرت وفجر معها ينابيع من الفرح في كل الأرجاء.

الأستاذ: (يتذاكى قليلا) هل تستطيع أن تضع أحمر الشفاه وباروكة للشعر وملابس نسائية و….؟

حسن: (يبدي الكثير من الحزم) نحن هنا في المسرح.. نحن هنا في حضرة أب الفنون وعلينا أن نميز بين هذا النص الإبداعي وحيواتنا في الواقع. هناك فرق كبير… (تنفجر ضحكات التلاميذ وقهقهاتهم).

الأستاذ: (مبتسما) لنبدأ التداريب بشكل جدي….

*كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى